ثيوسيديدس: المؤرخ الذي كتب الحرب بعين السياسة
لم أتعرف إلى ثيوسيديدس في كتاب عن التاريخ اليوناني، ولم أصل إليه بحثاً عن تفاصيل حرب قديمة دارت بين أثينا وإسبرطة. كان لقائي الأول به في كتاب جامعي عن نظريات العلاقات الدولية لبول فيوتي ومارك كاوبي؛ واحد من تلك الكتب المرجعية الثقيلة التي يقرأها طالب العلاقات الدولية، محاولاً أن يشق طريقه بين النظريات والمفاهيم والمدارس المتنافسة.
كان اسمه وارداً في الفصل المخصص للنظرية الواقعية، وبين القراءات المعمّقة لذلك الفصل وجدت «حوار الميلوسيين». لا أذكر أنني توقفت يومها طويلاً أمام تفاصيل الحرب البيلوبونيسية، ولا أمام موقع جزيرة ميلوس على الخريطة، لكن عبارةً واحدةً بقيت عالقةً في ذهني:
«يفعل الأقوياء ما تتيح لهم قوتهم أن يفعلوه، ويقبل الضعفاء ما يُفرض عليهم قبوله».
بدت العبارة أقرب إلى قانون قاسٍ من قوانين السياسة الدولية منها إلى سطر كُتب قبل نحو ألفين وخمسمئة عام. وربما لهذا السبب ظل ثيوسيديدس حاضراً في كتب العلاقات الدولية: ليس لأنه روى حرباً انتصرت فيها إسبرطة وهُزمت أثينا فحسب، بل لأنه التقط شيئاً أعمق من نتائج المعارك؛ التقط الطريقة التي تتحدث بها القوة حين لا تجد قوةً أخرى تردعها، والطريقة التي تتحول بها المصلحة إلى حجة، ثم تتحول الحجة، إذا امتلك أصحابها السلاح، إلى مصير يُفرض على الآخرين.
ظللت زمناً أقرأ العبارة بوصفها اختصاراً للواقعية السياسية: العالم لا يتحرك وفق ما ينبغي أن يكون، بل وفق ما تسمح به موازين القوة. لا تكفي عدالة القضية لحمايتها، ولا تمنع القوانين والمواثيق دولةً قويةً من فرض إرادتها إذا لم تجد ما يردعها. وفي العلاقات بين الدول، لا يكون السؤال دائماً: من يملك الحق؟ بل كثيراً ما يصبح: من يستطيع تحويل إرادته إلى واقع؟
لكن العودة إلى ثيوسيديدس بعد سنوات تكشف أن العبارة التي صنعت شهرته بين الواقعيين لا تختصر كتابه، وربما أساءت إليه بقدر ما عرّفت به. فالرجل الذي كشف منطق القوة لم يكن بالضرورة داعيةً له، والذي جعل الأثينيين ينطقون بهذا الكلام القاسي لم يضعه في نهاية انتصارهم، بل على الطريق المؤدي إلى سقوطهم.
هنا يتغير السؤال. لم يعد الأمر متعلقاً بما إذا كان ثيوسيديدس قد قال إن الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، بل بما أراد أن يرينا إياه بعد أن فعلوا ذلك. هل كان يؤسس لعالم تُلغى فيه الأخلاق أمام القوة، أم كان يحذّر من اللحظة التي تفقد فيها القوة إحساسها بالحدود؟ وهل كان «حوار الميلوسيين» إعلاناً مبكراً لمبادئ الواقعية السياسية، أم مشهداً من مأساة طويلة تبدأ بالغطرسة وتنتهي بالهزيمة؟
قائد خسر مدينةً وربح موقع المؤرخ
لم يكن ثيوسيديدس مؤرخاً يقف خارج الأحداث، يجمع أخبارها بعد انتهائها ويرتبها من مسافة آمنة. كان أثينياً ينتمي إلى المدينة التي بلغت، في زمنه، ذروة قوتها البحرية والسياسية، ثم شاهدها تدخل حرباً كبرى انتهت بانكسار مشروعها الإمبراطوري.
اندلعت الحرب البيلوبونيسية سنة 431 قبل الميلاد بين كتلتين قادتا العالم اليوناني: أثينا وحلفاؤها في رابطة ديلوس، وإسبرطة وحلفاؤها في الحلف البيلوبونيسي. امتلكت أثينا الأسطول والثروة وشبكةً واسعةً من المدن التابعة، فيما استندت إسبرطة إلى جيشها البري ونظامها العسكري وتحالف خشي تمدد النفوذ الأثيني.
أدرك ثيوسيديدس منذ البداية أنها لن تكون مواجهةً عابرة. ويستهل كتابه بالقول إنه شرع في كتابة تاريخ الحرب لحظة اندلاعها؛ لأنه اعتقد أنها ستكون أعظم من الحروب التي سبقتها، وأن الطرفين دخلاها وهما في أوج قوتهما واستعدادهما. لم يبدأ الكتاب، إذاً، بعد هزيمة شخصية، ولم يجلس أربعين عاماً يبحث عن أسباب إخفاقه كما تروي بعض الصيغ الشائعة؛ لقد بدأ مؤرخاً للحرب قبل أن يصبح أحد قادتها المنفيين.[^1]
في سنة 424 قبل الميلاد كان ثيوسيديدس واحداً من القادة الأثينيين، وكُلّف بالمساهمة في حماية أمفيبوليس، المدينة الاستراتيجية في شمال بحر إيجة. لكنه لم يصل في الوقت المناسب لمنع سقوطها في يد القائد الإسبرطي براسيداس، فعاقبته أثينا بالنفي.
كانت تلك خسارة قائد، لكنها صارت فرصة مؤرخ. يقول ثيوسيديدس إن منفاه استمر عشرين عاماً، وإن وجوده بعيداً عن أثينا أتاح له الاقتراب من طرفي الحرب، ولا سيما البيلوبونيسيين، ومراقبة الوقائع بصورة أدق.[^2] لقد أخرجته الهزيمة من المدينة التي ينتمي إليها، لكنها منحته المسافة التي يحتاج إليها كي يرى مدينته من الخارج.
لا يعني ذلك أنه أصبح محايداً بالمعنى المطلق؛ فلا مؤرخ يخرج كلياً من زمنه وانتمائه. لكنه لم يحوّل كتابه إلى مرافعة لتبرئة نفسه، ولم يكتبه بوصفه مرثيةً لأثينا أو منشوراً دعائياً ضد إسبرطة. كان معنياً بفهم الحرب التي احتوت إخفاقه الشخصي، لا بتفسير إخفاقه وحده.
ويمكن اختصار المفارقة كلها في جملة واحدة: خسر ثيوسيديدس أمفيبوليس قائداً، لكنه كسب من منفاه الموقع الذي جعله مؤرخاً.
حربان في حرب واحدة
للوهلة الأولى، تبدو الحرب مواجهةً بين قوة بحرية وقوة برية، أو بين أثينا الديمقراطية وإسبرطة العسكرية المحافظة. لكن هذا التبسيط يخفي شبكةً معقدةً من التحالفات والمصالح والمخاوف. فقد سبقت الحرب أزمات بين كورنث وكوركيرا، وحصار بوتيديا، وخلافات حول المدن المتحالفة، وقرارات أثينية أضرت بمصالح ميغارا. كانت هذه أسباباً مباشرةً وذرائع متراكمةً، وكان كل طرف يملك روايته عن المسؤولية والعدالة ونقض العهود.
غير أن ثيوسيديدس ميّز بين الأحداث التي أشعلت النار وبين التحول الذي جعل العالم اليوناني قابلاً للاشتعال. كتب أن السبب الأعمق، والأقل ظهوراً في الخطابات الرسمية، كان نمو قوة أثينا والخوف الذي أثاره ذلك لدى إسبرطة.[^3]
هنا لم يعد يجيب عن سؤال: من بدأ الحرب؟ بل عن سؤال أكبر: ما الذي جعل الحرب ممكنةً، ثم مرجحةً، حتى أصبحت أزمة صغيرة قادرةً على تفجير نظام كامل؟
إنه يميز، بعبارة معاصرة، بين الشرارة والبنية. الشرارة قد تكون نزاعاً على مدينة أو التزاماً تجاه حليف، أما البنية فهي اختلال ميزان القوة، وتصاعد الخوف، وفقدان الثقة، واقتناع كل طرف بأن الانتظار سيجعل موقعه أسوأ. وهذا التحليل هو أحد الأسباب التي جعلت الكتاب يتجاوز زمنه؛ ففي كثير من الحروب نعرف الحادثة التي بدأت القتال، لكن معرفة الشرارة لا تفسر وحدها لماذا كان الحقل كله ممتلئاً بالوقود.
لماذا يعدّه دارسو العلاقات الدولية أباً بعيداً لعلمهم؟
لم يكن في زمن ثيوسيديدس شيء اسمه «علم العلاقات الدولية». لم تكن الدولة القومية الحديثة قد نشأت، ولم تكن هناك جامعات تدرّس السياسة الخارجية، أو منظمات دولية، أو نظريات تحمل أسماء الواقعية والليبرالية والبنائية. كانت هناك مدن يونانية مستقلة، لكلٍّ منها نظامها وجيشها وتحالفاتها ومصالحها.
ولذلك فالأدق ألا نسميه مؤسس العلم بالمعنى الأكاديمي، بل الأب الفكري الأبعد للتقليد الواقعي فيه. لقد وجد الباحثون في كتابه الأسئلة التي سيقوم عليها حقلهم بعد قرون: لماذا تندلع الحروب؟ كيف تتصرف القوى الصاعدة؟ لماذا تخاف الدول من تنامي قوة جيرانها؟ هل تحمي التحالفات أعضاءها أم تجرّهم إلى صراعات أوسع؟ وما قيمة العدالة حين لا تتوافر قوة تحميها؟
تعامل ثيوسيديدس مع المدن اليونانية بوصفها وحدات سياسيةً تتحرك داخل فضاء لا توجد فيه سلطة عليا قادرة على ضبطها. لكل مدينة مصالحها ومخاوفها، وكل واحدة تعتمد، في نهاية المطاف، على قوتها وتحالفاتها لضمان بقائها. وهذا قريب مما سيسميه منظّرو العلاقات الدولية لاحقاً «فوضوية النظام الدولي»: لا بمعنى غياب القواعد كلياً، بل بمعنى غياب حكومة عالمية أعلى من الدول وقادرة على إلزامها.
كما منح الخوف مكانةً لا تقل عن مكانة الطموح. فالدول لا تدخل الحروب لأنها تريد التوسع دائماً؛ قد تدخلها لأنها تخشى ما يمكن أن يصبح عليه خصمها مستقبلاً. وقد لا يكون الطرف الآخر قد قرر مهاجمتها، لكن نمو قوته يغيّر حساباتها ويدفعها إلى الاستعداد لأسوأ الاحتمالات. وهكذا يمكن لإجراءات يراها طرف دفاعيةً أن تبدو للطرف الآخر هجوميةً، فتبدأ دائرة من الشك والتسلح والتصعيد.
لكن اختزال ثيوسيديدس في الواقعية يظلمه. فهو لم يقل إن الدول تتصرف بعقلانية دائماً، بل أظهر كيف تقودها الغطرسة والخطابة والانقسامات الداخلية وسوء التقدير إلى قرارات كارثية. ولم يقل إن القوة تضمن الانتصار، بل سرد كيف امتلكت أثينا المال والأسطول والإمبراطورية، ثم أساءت استخدام ما امتلكته حتى انتهت إلى الهزيمة.
لذلك لا تكمن أهميته في أنه اكتشف أن الأقوى يستطيع فرض إرادته؛ فهذه حقيقة عرفتها المجتمعات قبله. تكمن أهميته في أنه درس كيف تتكوّن القوة، وكيف تفكر، وكيف تبرر نفسها، وكيف تخيف الآخرين، ثم كيف تقودها الثقة المفرطة بذاتها إلى تجاوز حدودها. ولهذا يُقدَّم عادةً بوصفه أول كتّاب التقليد الواقعي، مع أن باحثين كثيرين يحذّرون من مطابقته كلياً مع الواقعية الحديثة.[^4]
كيف كتب ثيوسيديدس التاريخ؟
كان واعياً بصعوبة معرفة الحقيقة. فشهود الواقعة الواحدة لا يروونها بالطريقة نفسها، والذاكرة تنتقي، والانتماء السياسي يلوّن الشهادة، والرغبة في تبرير الذات تغيّر ترتيب الوقائع. لذلك أخضع الأخبار للمقارنة، وحاول التحقق من الروايات، وامتنع عن تفسير الهزيمة والنصر بإرادة الآلهة.
ومع ذلك، لا يشبه كتابه التحقيق التاريخي الحديث تماماً. فهو يورد أكثر من أربعين خطبةً طويلةً، ويعترف بأن تذكّر الألفاظ الدقيقة كان صعباً، وأنه جعل المتكلمين يقولون ما رآه ملائماً لكل موقف، مع التزام المعنى العام لما قيل قدر الإمكان.[^5]
هذه الخطب ليست زينةً أدبيةً. إنها مختبر الكتاب السياسي. من خلالها نرى كيف يعرّف كل طرف مصلحته، وكيف يستخدم العدالة، وكيف يعيد تسمية الخوف حكمةً، والطموح ضرورةً، والعدوان دفاعاً. فالسياسة عند ثيوسيديدس لا تحدث في المعركة وحدها؛ إنها تبدأ في اللغة التي تسبقها وتمنحها المشروعية.
وقد أراد لكتابه أن يكون «مقتنى إلى الأبد»، لا قطعةً خطابيةً تُسمع مرةً ثم تُنسى. كان يراهن على أن الطبيعة البشرية ستجعل أحداثاً مشابهةً تتكرر، لا بالأسماء والجغرافيا نفسيهما، بل في أنماط الخوف والطموح والتنافس والانقسام.[^6]
بريكليس: الديمقراطية وهي تروي صورتها المثالية
في الخطبة الجنائزية الشهيرة، يقف بريكليس أمام الأثينيين ليرثي قتلى السنة الأولى من الحرب، لكنه يحوّل الرثاء إلى تعريف للمدينة. يمدح نظامها الديمقراطي، وانفتاحها، ومشاركة مواطنيها في الشأن العام، وقدرتها على الجمع بين الحرية والقوة. تبدو أثينا في الخطبة مدينةً لا تدافع عن حدودها فقط، بل عن نموذج للحياة يستحق التضحية.
يصوغ ثيوسيديدس على لسان بريكليس صورة أثينا كما تريد أن ترى نفسها: «مدرسة اليونان»، مدينةً مفتوحةً وواثقةً ومبدعةً. لكن قوة الكتاب تنشأ من وضع هذه الصورة إلى جانب ما ستفعله أثينا لاحقاً خارج أسوارها. فالدولة التي تحتفي بحرية مواطنيها لا تتردد في حرمان مدن أخرى من حريتها، والديمقراطية في الداخل يمكن أن تكون إمبراطوريةً في الخارج.
ليس هذا التناقض أثينياً فقط. كثير من القوى الكبرى تبني شرعيتها الداخلية على قيم ترى أنها كونية، ثم تعفي سياستها الخارجية منها عندما تتعارض مع مصالحها. ومن هنا يصبح ثيوسيديدس مؤرخاً للمسافة بين الصورة التي تصنعها الدولة عن نفسها والسلوك الذي تمارسه حين تتفوق على الآخرين.
الطاعون: حين لا ينهار الجسد وحده
بعد الخطبة التي بلغت فيها صورة أثينا ذروةً شبه مثالية، ينقلنا ثيوسيديدس إلى واحد من أشد مشاهد الكتاب قسوةً: الطاعون الذي اجتاح المدينة المكتظة بالسكان. وقد أصيب به بنفسه ونجا منه، فوصف أعراضه وانتشاره وآثاره بدقة شاهد لا ينقل خبراً بعيداً.[^7]
لم يكن الطاعون، في روايته، كارثةً صحيةً فحسب. لقد أضعف الثقة بالقانون والدين والمستقبل. رأى الناس الصالح والطالح يموتان معاً، وفقد كثيرون القدرة على الاعتقاد بأن السلوك المنضبط سيحميهم أو أن العقوبة ستصل إليهم قبل الموت. ومع تقلص المستقبل إلى أيام، صار إشباع الرغبات العاجلة أكثر إغراءً من المحافظة على السمعة والمال والنظام.
هنا يتحول المؤرخ العسكري إلى محلل لانهيار المجتمع. فالمدينة لا تسقط فقط عندما يدخل العدو أبوابها؛ قد تبدأ بالسقوط حين يفقد الناس الإيمان بجدوى القواعد التي تنظّم حياتهم. وتصبح الكارثة امتحاناً للمؤسسات وللمعنى المشترك، لا للمستشفيات والأجساد وحدها.
وفي الطاعون خسر الأثينيون بريكليس، القائد الذي استطاع، في رواية ثيوسيديدس، أن يقود الجمهور بدلاً من أن ينقاد له. وبعده لم تختفِ القوة الأثينية، لكن العلاقة بين القيادة والجمهور بدأت تتغير، وأصبح التنافس على استرضاء الجماهير جزءاً من مسار الحرب.
كوركيرا: تنهار اللغة قبل أن تنهار المدن
إذا كان الطاعون قد كشف ما تفعله الكارثة بالمجتمع، فإن الفتنة في كوركيرا كشفت ما تفعله الحرب باللغة. انقسمت المدينة بين فصائل متصارعة، يستند كل منها إلى دعم خارجي، وتحول الخلاف السياسي إلى عنف أهلي وانتقام متبادل.
يرصد ثيوسيديدس لحظةً تتبدل فيها دلالات الكلمات بحسب حاجات الأحزاب: يصبح التهور شجاعةً وولاءً، والحذر جبناً، والاعتدال ستاراً للضعف، والتطرف دليلاً على الإخلاص. لا يعود الناس مختلفين على تفسير الوقائع فقط، بل على أسماء الفضائل والرذائل نفسها.[^8]
وهذا أحد أكثر مقاطع الكتاب معاصرةً. ففي أزمنة الاستقطاب لا تفسد المؤسسات وحدها؛ تفسد اللغة التي نستخدمها للحكم عليها. يعاد تعريف القتل والانتقام والخيانة وفق هوية الفاعل، ويصبح الفعل الواحد بطولةً حين يصدر عن جماعتنا وجريمةً حين يرتكبه الخصم.
لم يقل ثيوسيديدس إن الكلمات فقدت معانيها من تلقاء نفسها. الذي غيّرها هو الصراع على السلطة، والحاجة إلى منح العنف اسماً أخلاقياً. فاللغة هنا ليست ضحيةً جانبيةً للحرب، بل إحدى ساحاتها الأساسية.
حوار الميلوسيين: عندما تتجرد القوة من بلاغتها
في سنة 416 قبل الميلاد وصلت القوة الأثينية إلى جزيرة ميلوس الصغيرة، التي حاولت البقاء خارج الإمبراطورية الأثينية. يدور الحوار بين ممثلي أثينا وقادة الجزيرة بعيداً عن الجمهور؛ لذلك لا يحتاج الأثينيون، كما يقولون، إلى الخطب الجميلة أو الادعاء بأنهم يتحركون باسم العدالة.
يطلبون من الميلوسيين أن يناقشوا ما يمكن تحقيقه، لا ما هو عادل. فالعدالة، وفق منطقهم، لا تصبح حاسمةً إلا بين أطراف متقاربة القوة، أما حين يختل الميزان، فإن القوي يفعل ما تمكّنه قوته من فعله، ويقبل الضعيف ما لا يستطيع دفعه.[^9]
يراهن الميلوسيون على عدالة قضيتهم، وعلى مساعدة إسبرطة، وعلى احتمال أن تتغير الحظوظ. ويرد الأثينيون بأن الأمل تعزية الضعفاء، وأن الدول لا تخاطر من أجل القرابة والعدالة إذا تعارضتا مع المصلحة.
ينتهي الأمر باستسلام الجزيرة، وقتل الرجال القادرين على القتال، وبيع النساء والأطفال عبيداً. لكن السؤال الذي تركه ثيوسيديدس لا ينتهي هنا: هل كان يعرض حكمة الواقعية، أم يترك القوة تكشف بنفسها مقدار ما أصابها من عمى؟
لو اقتُطع الحوار من سياقه، لظهر كأنه إعلان انتصار لمنطق القوة. لكن ثيوسيديدس يضعه قبيل حملة صقلية؛ أي قبيل القرار الذي ستتصرف فيه أثينا كما لو أن قدرتها لا حدود لها. الكلمات التي استخدمتها لإقناع ميلوس بالخضوع ستصبح تمهيداً للغطرسة التي تمنعها من رؤية حدودها.
صقلية: لا تنهار الإمبراطوريات من الضعف وحده
بعد ميلوس بعام واحد تقريباً، قررت أثينا إرسال حملة ضخمة إلى صقلية. كانت بعيدةً عن مركز مصالحها المباشرة، ولم يكن الهدف دفاعاً اضطرارياً عن المدينة. اختلطت فيها حسابات التحالف بالطموح إلى توسيع الإمبراطورية، وتنافس القادة، وحماسة الجمهور الذي تخيل مكاسب الحملة قبل أن يعرف تكلفتها.
حذّر نيكياس من اتساع المهمة، لكنه حين بالغ في وصف القوات التي تحتاج إليها أملاً في تخويف الأثينيين من المشروع، حقق العكس؛ فقد زادهم اقتناعاً بأن حملةً بهذا الحجم لا يمكن أن تفشل. أما ألكيبيادس فدافع عنها وفي ذهنه مجده السياسي بقدر ما كانت في ذهنه مصلحة أثينا.
انتهت الحملة بكارثة. دُمّر الأسطول، وقُتل أو أُسر الآلاف، وتحولت رحلة التوسع إلى بداية الانحدار النهائي. لم تكن أثينا عاجزةً حين اتخذت القرار، بل كانت قويةً إلى الحد الذي جعلها تخطئ في تقدير ما تستطيع فعله.
وهنا تتكشف المسافة بين الواقعية بوصفها فهماً لحدود القوة وبين عبادة القوة. فالواقعي الحقيقي لا يسأل فقط: هل أستطيع الهجوم؟ بل يسأل أيضاً: ما الغاية السياسية؟ وما حدود الالتزام؟ وكيف أخرج إذا تغيرت الظروف؟ أما الغطرسة فتتعامل مع القدرة الحالية بوصفها دليلاً على نجاح مستقبلي مضمون.
قد تكون هذه هي الحكمة الأعمق في الكتاب: لا تنهار الإمبراطوريات لأنها ضعيفة دائماً، بل قد تنهار لأنها تسيء فهم قوتها، فتتعامل مع كل قدرة بوصفها حقاً، وكل فرصة بوصفها ضرورةً، وكل تحذير بوصفه جبناً.
هل يكتب التاريخ المنتصرون؟
تتكرر عبارة «التاريخ يكتبه المنتصرون» حتى تبدو قانوناً لا يحتاج إلى نقاش. وفيها قدر من الحقيقة؛ فالمنتصر يستولي على مؤسسات الدولة وأرشيفها، ويقيم النصب، ويضع المناهج، ويحدد المناسبات الوطنية، ويمنح بعض الضحايا أسماء الشهداء ويحرم آخرين حتى من حق الظهور في الرواية.
لكن ثيوسيديدس يربك هذه القاعدة.
كان أثينياً، وأثينا هي التي خسرت الحرب في نهاية المطاف. حوصرت المدينة، وهُدمت أسوارها الطويلة، وفقدت إمبراطوريتها وأسطولها، وفُرض عليها نظام حكم موالٍ لإسبرطة. ومع ذلك، فإن أشهر رواية وصلتنا عن الحرب لم يكتبها المنتصر الإسبرطي، بل كتبها رجل من المدينة المهزومة.
بل إن ثيوسيديدس كان، داخل معسكر المهزومين نفسه، قائداً أخفق في مهمته ونفته مدينته. وبذلك لم يكن مؤرخاً للهزيمة فقط، وإنما كان أيضاً أحد ضحايا السياسة الأثينية أثناء الحرب.
ينبغي، مع ذلك، ألا ننقله ببساطة من خانة المنتصر إلى خانة المنهزم. بدأ كتابة الحرب قبل أن تُعرف نتيجتها، وعاش ليرى هزيمة أثينا، لكنه لم يُتم كتابه؛ إذ ينقطع السرد عند أحداث سنة 411 قبل الميلاد، قبل النهاية الرسمية للحرب بسبع سنوات.[^10]
ثم إن الهزيمة العسكرية لا تعني الهزيمة الثقافية. انتصرت إسبرطة في الحرب، لكن أثينا بقيت أكثر حضوراً في الفلسفة والمسرح والتاريخ والذاكرة العالمية. وهذا يكشف الخلل في العبارة الشائعة: ليس المنتصر في ميدان القتال هو دائماً من ينتصر في معركة الذاكرة.
الأدق أن نقول إن التاريخ يكتبه من ينجو ليكتب، ومن يمتلك أدوات التدوين والحفظ، ومن يصل نصه إلى الأجيال اللاحقة، ومن تملك لغته وثقافته القدرة على الانتشار. قد ينتصر جيش ويضيع أرشيفه، وقد تنهزم مدينة ويبقى كتابها. وقد يفرض المنتصر روايته لعقود، ثم تظهر وثائق المهزومين وشهاداتهم فتتصدع الرواية الرسمية.
لذلك تمنحنا حالة ثيوسيديدس جواباً أكثر تركيباً: يملك المنتصر قدرةً أكبر على فرض الرواية الأولى، لكنه لا يضمن امتلاك الرواية الأخيرة.
«فخ ثيوسيديدس»: تحذير تاريخي أم نبوءة تصنع نفسها؟
لم يستخدم ثيوسيديدس تعبير «فخ ثيوسيديدس». المصطلح حديث، صاغه عالم السياسة الأميركي غراهام أليسون، ثم نشره على نطاق واسع عند مناقشة العلاقة بين الولايات المتحدة والصين.
انطلق أليسون من عبارة ثيوسيديدس عن نمو قوة أثينا والخوف الذي أثاره ذلك لدى إسبرطة، وصاغ منها نموذجاً عاماً: عندما تصعد قوة جديدة بسرعة وتهدد موقع قوة مهيمنة، ينشأ توتر بنيوي يجعل الحرب بينهما أكثر احتمالاً، حتى لو لم يكن أي منهما يريدها ابتداءً.
القوة الصاعدة تطالب بمكانة ونفوذ يتناسبان مع قدراتها الجديدة، بينما تخشى القوة القائمة خسارة امتيازاتها وموقعها. تبدأ كل واحدة منهما في تفسير سلوك الأخرى وفق أسوأ الاحتمالات. ويصبح خلاف صغير في دولة ثالثة، أو حادث عسكري، أو التزام تجاه حليف، شرارةً قادرةً على إشعال صراع أكبر من السبب المباشر.
درس فريق أليسون ست عشرة حالةً خلال خمسة قرون صعدت فيها قوة وهددت بإزاحة قوة قائمة، وقال إن اثنتي عشرة حالةً منها انتهت إلى الحرب، فيما تجنبتها أربع. ومن هنا شاع التشبيه الصحفي: الصين هي أثينا الصاعدة، والولايات المتحدة هي إسبرطة المهيمنة.[^11]
لكن جاذبية المصطلح أكبر من دقته بوصفه قانوناً. فالحالات الست عشرة مختلفة، والحروب لا تنتج من تغير ميزان القوة وحده؛ تتداخل في نشأتها التحالفات والقومية وشخصيات القادة والأزمات الداخلية والأخطاء الاستراتيجية. كما لا يتفق المؤرخون على أن الحرب البيلوبونيسية كانت نتيجةً آليةً لصعود أثينا؛ فقد لعبت القرارات والأزمات وسوء التقدير أدواراً لا يمكن محوها.
وثمة مشكلة أخرى في الترجمة التي أشاعت فكرة الحتمية. فالصيغة المتداولة تقول إن صعود أثينا جعل الحرب «حتميةً»، بينما تشير قراءة النص إلى معنى أقرب إلى أن الإسبرطيين شعروا بأنهم مضطرون إلى الحرب. والفرق كبير: الحتمية تلغي البدائل، أما الشعور بالاضطرار فهو تقدير سياسي يمكن أن يكون صائباً أو خاطئاً.[^12]
لهذا ينبغي التعامل مع «فخ ثيوسيديدس» بوصفه استعارةً تحذيريةً، لا قانوناً للتنبؤ. فهو يلفت الانتباه إلى مخاطر انتقال القوة والخوف المتبادل، لكنه يصبح خطيراً إذا أقنع الدول بأن الحرب مكتوبة سلفاً. عندئذ تستعد الأطراف لها، وتفسر كل خطوة مقابلة بوصفها دليلاً على اقترابها، فتتحول النبوءة إلى مساهم في تحقيق ذاتها.
وربما لا يكون «فخ ثيوسيديدس» هو الفخ الذي وصفه ثيوسيديدس، بل الفخ الذي نقع فيه حين نختزل كتاباً معقداً في عبارة واحدة، ثم نستخدمها لإقناع أنفسنا بأن المستقبل لا يملك إلا مساراً واحداً.[^13]
كتاب عن الحرب أم عن الإنسان؟
لم يكتب ثيوسيديدس تاريخ حرب مكتمل الأركان. توقف نصه فجأة عند سنة 411 قبل الميلاد، ولم يروِ سقوط أثينا النهائي. ومع ذلك، لم تمنع النهاية الناقصة الكتاب من أن يصبح واحداً من أكثر كتب التاريخ اكتمالاً من حيث الأسئلة التي يطرحها.
لقد كتب عن الحرب، لكنه رأى داخلها ما هو أبعد من تحرك الجيوش والسفن: رأى الديمقراطية وهي تمدح نفسها، ثم وهي تنقاد وراء الحماسة؛ ورأى الطاعون يهدم القواعد التي عجز العدو عن هدمها؛ ورأى الحرب الأهلية تغيّر معاني الكلمات؛ ورأى القوة تخلع عنها لغة العدالة في ميلوس، ثم تفقد إحساسها بالحدود في صقلية.
لهذا يصعب الجزم إن كان ثيوسيديدس واقعياً بالمعنى الذي ألصقته به كتب العلاقات الدولية الحديثة. لقد فهم أن القوة حقيقة لا يمكن تجاهلها، وأن الضعيف لا تحميه عدالة قضيته وحدها. لكنه فهم أيضاً أن القوة التي لا يضبطها تقدير للعواقب تتحول من ضمانة للأمن إلى مصدر للخطر، وأن الدولة قد تنتصر على خصومها واحداً بعد آخر، ثم تهزم نفسها بقرار واحد.
ربما لهذا بقيت عبارته في ذهني منذ قرأتها أول مرة في كتاب فيوتي. كانت في البداية درساً في قسوة العالم: الأقوياء يفعلون ما تمكّنهم قوتهم من فعله، والضعفاء يقبلون ما لا يستطيعون دفعه. أما بعد العودة إلى الكتاب كاملاً، فتبدو العبارة نصف الدرس فقط.
النصف الآخر هو أن الأقوياء لا يعرفون دائماً ما ينبغي لهم أن يفعلوه، وأن امتلاك القدرة لا يعني امتلاك الحكمة، وأن الضعفاء قد يدفعون الثمن أولاً، لكن القوة التي تتوهم أنها تحررت من كل حد تبدأ، في اللحظة نفسها، بصناعة هزيمتها المقبلة.
لم يبقَ ثيوسيديدس حياً لأن الحرب بين أثينا وإسبرطة تتكرر بحذافيرها، بل لأن الخوف والطموح والغطرسة وسوء التقدير لم تغادر السياسة. لقد أراد كتابه «مقتنى إلى الأبد»، ونجح في ذلك؛ لا لأنه منحنا قانوناً يفسر كل حرب، بل لأنه علّمنا أن ننظر خلف الذرائع، وأن نميّز بين القوة والحكمة، وبين الشرارة والأسباب، وبين ما تقوله الدول عن نفسها وما تفعله حين تعتقد أن لا أحد يستطيع ردعها.
المصادر والإحالات
[^1]: ثيوسيديدس، تاريخ الحرب البيلوبونيسية، الكتاب الأول، 1.1، النص الإنجليزي متاح عبر مشروع ToposText ومعهد ماساتشوستس للتقنية.[^2]: ثيوسيديدس، الكتاب الخامس، 5.26؛ يتحدث فيه عن منفاه عشرين عاماً وإتاحته مراقبة الطرفين. انظر النص في MIT Classics.
[^3]: ثيوسيديدس، الكتاب الأول، 1.23؛ وانظر عرض مفهوم الواقعية السياسية في موسوعة ستانفورد للفلسفة.
[^4]: Laurie M. Johnson Bagby, “The Use and Abuse of Thucydides in International Relations”، International Organization، Cambridge University Press.
[^5]: ثيوسيديدس، الكتاب الأول، 1.22؛ ولتحليل وظيفة الخطب في الكتاب، انظر Oxford Academic: Speeches in Thucydides.
[^6]: ثيوسيديدس، الكتاب الأول، 1.22، في النص الكامل عبر Project Gutenberg.
[^7]: ثيوسيديدس، الكتاب الثاني، 2.47–54، النص الكامل عبر MIT Classics.
[^8]: ثيوسيديدس، الكتاب الثالث، ولا سيما 3.82–83، عبر MIT Classics.
[^9]: ثيوسيديدس، حوار الميلوسيين، الكتاب الخامس، 5.84–116، عبر MIT Classics؛ وانظر أيضاً مناقشة الحوار في موسوعة ستانفورد للفلسفة السياسية القديمة.
[^10]: يتوقف الكتاب عند أحداث سنة 411 قبل الميلاد، وتابع زينوفون رواية السنوات اللاحقة في Hellenica. انظر عرض المخطوط غير المكتمل في The New Yorker.
[^11]: Graham Allison, “The Thucydides Trap”، ودراسة الحالات الست عشرة عبر مركز بيلفر في جامعة هارفارد.
[^12]: حول أثر الترجمة في تحويل شعور إسبرطة بالاضطرار إلى مقولة عن «حتمية» الحرب، انظر The Guardian، 19 مايو/أيار 2026.
[^13]: لنقد التفسير الأحادي للحرب وحدود «فخ ثيوسيديدس»، انظر RSIS: Thucydides’ Trap—Caveat Emptor.



