نظام التفاهة… عندما لا يعود التافهون استثناءً

منذ سنوات تتكرر أمامي على وسائل التواصل الاجتماعي عبارة ساخرة تقول: “توقفوا عن جعل المغفلين مشاهير!”. وهي من تلك العبارات التي تبدو للوهلة الأولى مجرد نكتة عابرة على زمن أصبحت فيه الشهرة متاحة لمن يملك هاتفاً وكاميرا وقدرة كافية على جذب الانتباه، لكنني كلما صادفتها من جديد شعرت بأن المشكلة ربما كانت طوال الوقت في الفعل لا في الفاعل؛ في “جعل” شخص ما مشهوراً، لا في كونه مغفلاً. فالمغفلون موجودون في كل المجتمعات وفي كل الأزمنة، كما يوجد محدودو المعرفة وضعاف الموهبة والمتوسطون في كل مهنة ومؤسسة، ولم يكن وجودهم في ذاته مشكلة تاريخية كبرى. السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو: متى تتحول منظومة اجتماعية كاملة إلى آلة لانتقاء الأقل قيمة ومنحه المساحة الأكبر، ثم تعيد تقديم نجاحه بوصفه دليلاً على القيمة؟ ومتى لا تعود التفاهة مجرد صفة نصف بها فرداً، بل تصبح معياراً ضمنياً للترقية والشهرة والقبول، بحيث لا يعود السؤال لماذا صعد هذا الشخص، وإنما لماذا أصبحت البيئة التي نعيش فيها مصممة بحيث تمنح هذا النوع من الأشخاص فرصاً أكبر للصعود؟
هذا، في جانب كبير منه، هو السؤال الذي جعلني أعود إلى كتاب الفيلسوف الكندي آلان دونو “La Médiocratie”، الذي صدر بالفرنسية عن دار Lux Éditeur عام 2015، قبل أن يصل إلى القارئ العربي بعنوان “نظام التفاهة”، بترجمة مشاعل عبد العزيز الهاجري عن دار سؤال للنشر والتوزيع. [1] ودونو لا يكتب كتاباً عن الأغبياء، كما قد يوحي العنوان العربي لمن لم يقرأه، ولا يقدم لائحة بالأشخاص الذين يعتقد أنهم تافهون، بل إن أطروحته أكثر إزعاجاً من ذلك بكثير؛ فهو يتحدث عن اللحظة التي يتحول فيها “المتوسط” إلى قاعدة، وعن المؤسسات التي لا تطلب منك بالضرورة أن تكون عاجزاً أو جاهلاً، وإنما أن تكون جيداً بالقدر المناسب، وألا تكون مختلفاً أكثر مما ينبغي، وألا تسأل أكثر مما ينبغي، وألا تجعل معرفتك أو موهبتك أو استقلالك مشكلة بالنسبة إلى المؤسسة. بعبارة أخرى، أن تعرف كيف “تلعب اللعبة”، وأن تمتلك من الكفاءة ما يسمح لك بالعمل داخل النظام، لكن ليس بالضرورة ما يدفعك إلى مساءلة النظام نفسه.

حين تصبح التفاهة نظاماً لا صفة
لا تحتاج “الميديوقراطية”، كما يقدمها دونو، إلى مؤامرة يجتمع أصحابها في غرفة مظلمة لاختيار الأشخاص الأقل كفاءة، فالنظام أكثر ذكاءً وبساطة من ذلك؛ يكفي أن تبني مؤسسات تكافئ القدرة على التكيف مع قواعدها أكثر مما تكافئ القدرة على مساءلة تلك القواعد، وأن يصبح الموظف المثالي هو من يعرف ما ينبغي قوله ومتى يقوله، وأي الأسئلة يمكن طرحها وأيها ينبغي تجنبها، وكيف يحافظ على حركة الآلة من دون أن يسأل كثيراً إلى أين تتجه. ويمكن لهذا الموظف أن يكون ذكياً، بل شديد الذكاء، لكن ذكاءه يصبح أكثر فائدة للمؤسسة عندما يستخدمه في تحسين ما هو قائم لا في السؤال عن سبب وجوده، كما يمكن للخبير أن يعرف كيف يكتب استراتيجية رائعة دون أن تكون هناك استراتيجية، وكيف يبني مؤشرات أداء لمشروع لا يحقق أثراً، وكيف يتحدث ساعة كاملة في الحوكمة دون أن يناقش أين يوجد القرار فعلاً ومن يمتلكه، وكيف ينتج تقريراً متقناً عن “الدروس المستفادة” من تجربة لم يتعلم منها أحد شيئاً.
“الميديوقراطية لا تحتاج إلى أن تطرد الأذكياء من النظام؛ يكفي أن يتعلم كثير منهم كيف يجعلون ذكاءهم غير مؤذٍ.”
وهذه ليست بالنسبة إلي فكرة نظرية تماماً. فخلال سنوات من العمل في السياسة والإعلام والعمل الشبابي والمجتمع المدني والتدريب، رأيت مؤسسات تضم خبراء ممتازين لكنها عاجزة عن اتخاذ قرار بسيط، ومؤتمرات تنتهي بعشرات التوصيات التي يعرف معظم الحاضرين أنها لن تغير شيئاً، وبرامج لبناء القدرات تنتهي بالصورة الجماعية والشهادات أكثر مما تنتهي ببناء قدرة يمكن قياسها. ورأيت أحياناً كيف يصبح نجاح النشاط في التقرير أهم من نجاحه في الواقع، وكيف يمكن أن تتحول الاستمارة والصورة وقائمة الحضور والتغطية الإعلامية إلى أدلة مكتملة على إنجاز لم يسأل أحد بعد ستة أشهر ماذا بقي منه. ولطالما راودني أمام بعض هذه التجارب سؤال بسيط: كم مرة كنا ننتج أثراً حقيقياً، وكم مرة كنا ننتج دليلاً على أننا أنتجنا أثراً؟ الفارق بين الاثنين هو، في جانب منه، ما يتحدث عنه دونو؛ فالمؤسسة قد تمتلك الخطة والمؤشرات والتقارير والهوية البصرية والاجتماعات الدورية ونظام التقييم والخبراء والاستشاريين، وكل الأدوات التي يفترض أن تدل على أنها مؤسسة ناجحة، بينما تكون قد فقدت في مكان ما السؤال الأول الذي وجدت من أجله: لماذا نحن هنا؟

لكن نقل فكرة دونو إلى العالم العربي يحتاج إلى شيء من الحذر، لأن المنظومات التي يكتب عنها نشأت في بيئات مؤسسية واقتصادية مختلفة، بينما تتداخل في مجتمعاتنا عوامل أخرى لا يمكن تجاهلها: السلطة السياسية، والولاء، والعائلة، والطائفة، والحزب، وشبكات المصالح، والزبائنية، وأحياناً التمويل الخارجي. وفي الحالة السورية خصوصاً، لا يمكن فصل صناعة النخب طوال عقود عن بنية النظام السياسي نفسه؛ فلم يكن المطلوب دائماً أن تكون جاهلاً أو ضعيفاً، بل أن تكون كفاءتك قابلة للاستخدام داخل حدود النظام. تستطيع أن تكون طبيباً ممتازاً، أو أستاذاً جامعياً، أو صحفياً موهوباً، أو إدارياً ناجحاً، أو حتى سياسياً ذكياً، لكن ثمة سقفاً غير مكتوب لما ينبغي أن تفعله بهذه الكفاءة، وما إذا كان مسموحاً لها بأن تتحول من أداة لتحسين أداء المنظومة إلى قدرة على مساءلتها. وهكذا لا يختفي الأذكياء من النظام، بل يتعلم كثير منهم كيف يجعلون ذكاءهم غير مؤذٍ.
ومن نوادر القصص المتداولة في السياسة السورية حكاية تكاد عبارتها الأشهر تختصر جانباً كاملاً من الطريقة التي تصنع بها الأنظمة المغلقة رجالها. يروي الصحفي جان عزيز أن حمود قباني، وكان آنذاك كادراً بعثياً في السويداء، استُدعي عام 1967 إلى دمشق للقاء صلاح جديد، رجل الحزب والدولة القوي في تلك المرحلة، في مرحلة أعقبت الصراع مع سليم حاطوم، الضابط البعثي البارز وأحد المشاركين في انقلاب 23 شباط 1966، قبل أن ينقلب على رفاقه ويفر إلى الأردن. وأثناء اللقاء اضطر جديد إلى مغادرة مكتبه لتلقي اتصال هاتفي، فوقعت عينا قباني – بحسب الرواية – على ورقة تضم مجموعة من الأسماء، وإلى جانب اسمه توصيف مقتضب: “تافه، يُستفاد منه”. [2] وحين روى ما حدث إلى رفيقه الحزبي القديم كمال شرف، قرأ الأخير العبارة بطريقة مختلفة، ورأى أن الأهم فيها ليس “تافه”، بل “يُستفاد منه”. وبالفعل، دخل قباني الحكومة بعد ذلك، ثم أصبح عضواً في القيادة القطرية لحزب البعث وتولى وزارة الإعلام. وبصرف النظر عن التفاصيل التي اكتسبتها الحكاية في الرواية السياسية السورية، فإن قيمتها هنا تكمن في العبارة نفسها: فالنظام لا يبحث بالضرورة عن الأقل كفاءة، وإنما عمن يستطيع استخدامه ضمن الحدود التي يرسمها له؛ وقد تصبح محدودية الاستقلال، في بعض الحالات، ميزة لا عيباً.
“تافه، يُستفاد منه.”
لكن “يُستفاد منه” لا تعني دائماً أن يكون الشخص محدود الكفاءة، وهنا تقدم لنا تجربة عربية أخرى وجهاً أكثر تعقيداً للمسألة. ففي تونس، اتخذت صناعة النخبة الحكومية في عهد زين العابدين بن علي مساراً مختلفاً ظاهرياً عن الصورة التقليدية للسلطة العربية التي تحيط نفسها بالضعفاء؛ إذ يوثق الباحث أندريا كاربوني تحولاً امتد لعقود، بدأ في عهد بن علي باستبدال جانب من طبقة السياسيين المحترفين في عهد الحبيب بورقيبة بتكنوقراط قادمين من الإدارة العامة. وتشير دراسته إلى أن الوزراء في عهد بن علي اختيروا على أساس مؤهلاتهم التكنوقراطية وولائهم، وأن الاعتماد على تكنوقراط الإدارة ساعد الرئيس على تهميش منافسيه السياسيين وتركيز السلطة حوله ودائرته الضيقة. [3]
وهنا نصل إلى صيغة ربما تكون أكثر تعقيداً من “تافه، يُستفاد منه”: “كفء، ولكن لا يُخشى منه”. وليست هذه عبارة تونسية ولا اقتباساً من وثيقة، وإنما صيغة تحليلية تلخص المفارقة؛ فالمنظومة لا تحتاج دائماً إلى التافه، وأحياناً تحتاج إلى الكفء نفسه، ولكن بعد أن تفصل كفاءته عن استقلاله. تحتاج إلى الخبير الذي يعرف، لكن معرفته لا تتحول إلى سلطة، وإلى الوزير الذي يدير لكنه لا يقرر، وإلى الأكاديمي الذي يمنح المؤسسة لغة علمية من دون أن يسمح لعلمه بأن يتحول إلى سؤال سياسي. وبهذا المعنى لا يكون نقيض “نظام التفاهة” ببساطة “حكم المتعلمين”، فالشهادة والخبرة والذكاء لا تكفي وحدها؛ السؤال الأهم هو ماذا تسمح المؤسسة لصاحب الكفاءة أن يفعل بكفاءته، وهل تختاره لأنه قادر على التفكير، أم لأنه قادر على الأداء داخل الحدود المرسومة له؟

عندما تصبح اللغة بديلاً عن المعنى
ولعل إحدى أكثر أفكار دونو حضوراً في حياتنا اليومية هي اللغة، فقد بنت الإدارة الحديثة قاموساً كاملاً يبدو في ظاهره شديد الاحتراف: الحوكمة، والاستدامة، والتمكين، وبناء القدرات، وأصحاب المصلحة، والمشاركة، والابتكار، والمرونة، ومؤشرات الأداء، والأثر. لا توجد مشكلة في أي من هذه المفاهيم في ذاتها، بل إن كثيراً منها ضروري لعمل المؤسسات الحديثة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الكلمات إلى بدائل عن الأشياء التي يفترض أن تصفها؛ فيمكن أن نجلس ساعات نتحدث عن “تمكين الشباب للمشاركة في صنع القرار”، ثم نغادر القاعة دون أن يسأل أحد: أي قرار تحديداً؟ ومن يصنعه؟ وما مقدار السلطة التي يملكها الشباب فعلاً للتأثير فيه؟ ويمكن لمؤسسة أن تتحدث عن “إشراك أصحاب المصلحة”، بينما يكون القرار قد اتخذ قبل دعوتهم إلى الاجتماع، ويمكن لمشروع أن يمتلك عشرات مؤشرات الأداء بينما لا يستطيع أحد الإجابة بوضوح عما تغير في حياة الناس بسببه.
وهنا تكمن براعة اللغة الإدارية الحديثة: إنها لا تكذب بالضرورة، لكنها تستطيع أن تقول الحقيقة بطريقة تجعلها بلا أسنان. فحين يتحول الفشل إلى “تحدٍ”، والمشكلة إلى “فرصة للتطوير”، وغياب القرار إلى “عملية تشاورية مستمرة”، وعدم تحقيق الأثر إلى “دروس مستفادة”، تستطيع المؤسسة أن تبني عالماً لغوياً كاملاً يحميها من الاصطدام بما يجري خارج تقاريرها. وليس المطلوب التخلي عن اللغة المهنية لصالح لغة شعبوية خشنة، فالمشكلة ليست في دقة المصطلح، بل في استخدام المصطلح لإخفاء الشيء الذي يفترض أن يوضحه؛ وحين نفقد القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها، يصبح من السهل جداً أن نفقد القدرة على تغييرها.
“براعة اللغة الإدارية الحديثة أنها لا تكذب بالضرورة، لكنها تستطيع أن تقول الحقيقة بطريقة تجعلها بلا أسنان.”
وهذه اللغة تقود إلى واحدة من أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب أي مؤسسة: أن يتغير السؤال من “لماذا نحن موجودون؟” إلى “كيف نستمر؟”. عندها تبدأ المؤسسة، أحياناً من دون أن تنتبه، بإنتاج المبررات اللازمة لاستمرارها؛ تقيم المنظمة الشبابية أنشطة لأن عليها إقامة أنشطة، وتبحث منظمة المجتمع المدني عن المشروع الذي يناسب أولويات الممول لأن التمويل أصبح شرطاً لبقاء المؤسسة، وينشر مركز الأبحاث الدراسات لأن الخطة السنوية تتطلب عدداً معيناً من المنشورات، وتملأ المحطة التلفزيونية ساعات البث لأن لديها ساعات بث ينبغي ملؤها. وشيئاً فشيئاً يصبح بقاء المؤسسة هو المشروع الحقيقي للمؤسسة، وتتحول الأدوات التي وجدت لخدمة الغاية إلى غايات قائمة بذاتها، بحيث تستطيع المؤسسة أن تكون ناجحة تماماً وفق المقاييس التي وضعتها لنفسها، وفاشلة تماماً وفق السبب الذي أنشئت من أجله.
ولا ينبغي أن يقودنا ذلك إلى اعتبار الإدارة الحديثة أو ثقافة الأداء نفسها جزءاً من “نظام التفاهة”، وهنا تقدم التجربة الإماراتية، مثلاً، مفارقة مفيدة في هذا السياق؛ فهي تستخدم بكثافة الأدوات نفسها التي يمكن أن تتحول، في سياقات أخرى، إلى قشرة مؤسسية – المؤشرات، والتقييم، والتسويق المؤسسي، وصناعة الصورة – لكنها تربطها، في قطاعات واسعة، بثقافة تنفيذية تمنح الإنجاز الملموس وزناً واضحاً في تقييم المؤسسة والمسؤول. وليس المقصود تقديم التجربة بوصفها نقيضاً للتفاهة، ولا الادعاء بأنها بمنأى عن ثقافة الشهرة والصورة أو عن المشكلات التي تصيب المجتمعات الحديثة عموماً، وإنما الإشارة إلى فارق جوهري: المشكلة ليست في أن تقيس المؤسسة أداءها أو تعرض إنجازاتها، بل في أن يصبح القياس بديلاً عن الأداء، والعرض بديلاً عن الإنجاز، والقدرة على تسويق المشروع أكثر قيمة من وجود المشروع نفسه. المؤسسة الجادة قد تستخدم المؤشرات والعروض والمنصات واللغة الإدارية نفسها، لكن المعيار الذي يعيد الأشياء إلى حجمها الطبيعي يبقى بسيطاً: المشروع في النهاية مطالب بأن يوجد على الأرض، لا في العرض التقديمي وحده.
ولذلك فإن أخطر المؤسسات ليست دائماً المؤسسات الفاشلة أو تلك التي لا تعرف كيف تدير نفسها، بل ربما تكون المؤسسة التي تنجح نجاحاً باهراً في قياس كل شيء باستثناء السؤال عما إذا كان ما تفعله يستحق أن يُفعل أصلاً. تستطيع أن تحقق جميع مؤشرات الأداء التي وضعتها، وأن تنفق ميزانيتها بالكامل، وأن تنظم العدد المطلوب من الأنشطة، وأن تصل إلى العدد المحدد من المستفيدين، وأن تنتج تقريراً سنوياً ممتازاً، ومع ذلك يبقى السؤال الذي لا يظهر في أي خانة من خانات التقرير: ماذا كان سيحدث لو لم توجد هذه المؤسسة أصلاً؟

من “حارس البوابة” إلى اقتصاد الانتباه
كان إنتاج الشهرة في الماضي يحتاج إلى مؤسسات كبيرة، وكان على الكاتب أو الفنان أو الصحفي أو السياسي أن يمر، في الغالب، عبر صحيفة أو دار نشر أو إذاعة أو محطة تلفزيونية أو شركة إنتاج أو حزب أو جامعة، وكانت هذه المؤسسات – على كل عيوبها وانحيازاتها ومصالحها – تمارس وظيفة “حارس البوابة”، بحيث يوجد شخص أو مجموعة أشخاص يقررون من يستحق أن يصل إلى الجمهور. ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي وكسرت هذه البوابات، وكان في ذلك قدر هائل من التحرر؛ أصبح في إمكان الكاتب أن يصل إلى قارئه من دون صحيفة، والموسيقي أن يصل إلى جمهوره من دون شركة إنتاج، والباحث أن يقدم معرفته من دون انتظار محطة تلفزيونية، كما أصبح بإمكان أصوات كثيرة كانت مستبعدة من المجال العام أن تجد جمهورها للمرة الأولى. لكن سقوط حراس البوابة لم يؤد إلى عالم بلا بوابات، بل استبدلنا بهم الخوارزمية، والخوارزمية لا تسأل بالضرورة: هل هذا صحيح؟ هل هذا مهم؟ هل هذا الشخص يعرف ما يتحدث عنه؟ إنها تسأل سؤالاً أكثر بساطة وأكثر ارتباطاً بنموذج عمل المنصة: هل سيبقى المستخدم أمام الشاشة؟
وهنا ندخل إلى اقتصاد الانتباه، حيث لم تعد الأدبيات الحديثة تتعامل مع الانتباه بوصفه مجرد استعارة تسويقية، بل بوصفه مورداً ورأسمالاً رمزياً يمكن تجميعه وتحويله إلى أشكال أخرى من القيمة. ويذهب الباحث ماكسي هايتماير إلى أن منصات التواصل وفرت البنية التقنية التي سمحت بتحويل الانتباه المتبدد إلى رصيد ظاهر وقابل للتراكم من المتابعين والمشاهدات والتفاعلات، يمكن بدوره تحويله إلى مال أو مكانة أو نفوذ. [4] وهنا تعود العبارة التي بدأنا منها: “توقفوا عن جعل المغفلين مشاهير!”، لكنها تبدو الآن أقل بساطة، لأن السؤال يصبح: من الذي جعلهم مشاهير؟ الجمهور الذي شاهد؟ أم المنصة التي كافأت؟ أم المنتج الذي اكتشف فرصة تجارية؟ أم المعلن الذي دفع؟ أم وسائل الإعلام التي استضافت الشخص لأنه أصبح “ترنداً”؟ أم نحن جميعاً، حين أصبح استنكارنا له نوعاً آخر من التفاعل الذي يزيد انتشاره؟ إنها دائرة تستطيع أن تحول المشاهدات إلى إعلان، والإعلان إلى مال، والمال إلى مزيد من الانتشار، ثم تحول الانتشار نفسه إلى رأسمال اجتماعي، حتى يصبح كون الشخص معروفاً سبباً كافياً لكي يُعامل كما لو كان أكثر معرفة.
ولا مشكلة في أن يصبح شخص مشهوراً لأنه يرقص أو يطبخ أو يروي النكات أو يقدم محتوى ترفيهياً، فالبشر احتاجوا إلى الترفيه قبل اختراع الهاتف وسيحتاجون إليه بعده، كما أن بعض صناع المحتوى يمتلكون مواهب حقيقية في الأداء أو السرد أو الإنتاج لا معنى لإنكارها لمجرد أن وسيطهم هو الهاتف. المشكلة تبدأ في مكان آخر تماماً: عندما تتحول الشهرة من نتيجة للنجاح في مجال ما إلى شهادة كفاءة عامة، وعندما يصبح عدد المتابعين سبباً لاستضافة شخص للحديث في الاقتصاد أو التربية أو السياسة أو العلاقات الدولية أو التاريخ، لا لأنه يعرف هذه الموضوعات، بل لأنه معروف، وكأن القدرة على جذب الانتباه قد أصبحت في ذاتها مؤهلاً معرفياً يسمح لصاحبها بالانتقال من موضوع إلى آخر من دون أن يطالبه أحد بإثبات شيء سوى عدد الأشخاص الذين ينظرون إليه.

ولم يكن ممكناً أن تبقى السياسة خارج هذه السوق طويلاً، فقد اكتشفت الحكومات والأحزاب والمؤسسات السياسية أن الوصول إلى جمهور شاب عبر شخصية يتابعها يومياً قد يكون أسهل من الوصول إليه عبر وزير أو خبير أو بيان رسمي، ولم يعد ذلك مجرد انطباع عن بعض الحملات المتفرقة، إذ بدأت دراسات الاتصال السياسي والإدارة العامة تتعامل مع استخدام المؤثرين في الاتصال الحكومي بوصفه نمطاً قائماً بذاته. وتوثق دراسة لماود ريفيلاك أشكالاً متعددة من الشراكة بين الحكومات والمؤثرين والحملات الرقمية بهدف الترويج لقيم ثقافية وأهداف وسياسات عامة، مع تركيزها على حالات في فرنسا والولايات المتحدة وكندا. [5] فيما توصل رافاييل زوموفن وفنسنت مابيار ومارسيال باسكييه، اعتماداً على 19 مقابلة شبه منظمة أجريت في خمس دول، إلى أن المؤثرين أخذوا يحتلون مكاناً متزايداً ضمن أدوات الاتصال في القطاع العام، وخصوصاً حين ترغب المؤسسات في الوصول إلى جماهير محددة بلغة تبدو أكثر قرباً وأصالة من الاتصال البيروقراطي التقليدي. [6]
وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما لا يعود المؤثر مجرد وسيط عفوي، بل يدخل في علاقة تجارية وتعاقدية مع الدولة؛ فقد حللت دراسة أخرى 1302 صفحة من الوثائق الناتجة عن عشرة طلبات لحرية المعلومات بشأن حملات استخدمت فيها الحكومة الهولندية مؤثرين بين عامي 2020 و2024، وناقشت الطبيعة التجارية والتعاقدية لهذه العلاقات والأسئلة التي تطرحها حول شفافية المقابل المالي. [7] ومع ذلك، لا يمثل استخدام الحكومات للمؤثرين مشكلة في ذاته؛ فإذا أرادت وزارة الصحة إيصال رسالة إلى المراهقين، فقد يكون من المنطقي أن تستخدم شخصاً يستمع إليه المراهقون، وإذا أرادت مؤسسة ثقافية الوصول إلى جمهور لا يقرأ الصحف، فلا معنى لأن تصر على مخاطبته بالأدوات القديمة وحدها. المشكلة تبدأ عندما يحدث الاستبدال، حين تستبدل الحكومة الخبير بالمؤثر، أو الصحفي بصانع المحتوى، لا لأنها تريد تبسيط المعرفة وإنما لأنها تريد تجاوز السؤال؛ عندها لا نكون أمام تحديث في أدوات الاتصال، بل أمام اختصار للسياسة نفسها.
فالخبير مزعج أحياناً، لأنه قد يقول إن الأرقام لا تؤيد الرواية المطلوبة، والصحفي قد يسأل السؤال غير المناسب، والباحث قد يحتاج إلى عشر دقائق لكي يشرح لماذا لا توجد إجابة بسيطة، بينما يعرف المؤثر المحترف أن لديه ثلاثين ثانية وأن عليه أن يبدأ بما يجذب المشاهد قبل أن ينتقل المشاهد إلى شيء آخر. وهكذا لا يحتاج النظام إلى منع الخبير من الكلام، كما كانت تفعل أنظمة الرقابة التقليدية، بل يكفي أحياناً أن يضعه في سباق على الانتباه مع شخص لا يحتاج أصلاً إلى أن يعرف ما يعرفه الخبير؛ وهنا تصبح المنافسة غير متكافئة، لأن الأول مطالب بالدقة والتحقق والسياق والشك، بينما يكافأ الثاني على السرعة والثقة والاختصار، حتى لو كان الاختصار قد ابتلع الحقيقة نفسها.
“لا يحتاج النظام إلى منع الخبير من الكلام؛ يكفي أحياناً أن يضعه في سباق على الانتباه مع شخص لا يحتاج أصلاً إلى أن يعرف ما يعرفه الخبير.”
المشكلة ليست في “التافه”
بعد قراءة “نظام التفاهة”، من السهل جداً أن ننظر حولنا ونبدأ بتوزيع صفة “التافه” على الناس: هذا إعلامي تافه، وهذا سياسي تافه، وهذا مؤثر تافه، وهذا مدير تافه. لكن ذلك سيكون، للمفارقة، واحداً من أكثر القراءات تفاهة للكتاب نفسه، لأن قيمة أطروحة دونو أنها تنقل السؤال من الأشخاص إلى النظام الذي يختارهم، ومن الصفات الفردية إلى قواعد المكافأة. فبدلاً من أن نسأل لماذا أصبح هذا الشخص مشهوراً، يمكن أن نسأل ما النظام الذي جعل هذا النوع من الشهرة ممكناً؛ وبدلاً من أن نسأل كيف وصل هذا الشخص إلى الإدارة، يمكن أن نسأل ما الصفات التي تكافئها هذه المؤسسة عندما تختار مديريها؛ وبدلاً من أن نسأل لماذا لا يظهر الخبراء، يمكن أن نسأل ما إذا كنا قد بنينا فضاء عاماً يستطيع فيه صاحب المعرفة أن ينافس على الانتباه من دون أن يتخلى عن معرفته.
وهذا السؤال الأخير يعنيني ككاتب أيضاً، لأن المقال الطويل الذي يحتاج إلى نصف ساعة من القراءة يدخل اليوم في منافسة مع مقطع لا يتجاوز عشر ثوان، والباحث الذي يقول “المسألة معقدة” ينافس شخصاً يبدأ حديثه بعبارة “الحقيقة التي لا يريدونك أن تعرفها”، والخوارزمية تعرف جيداً أيهما أسهل في التسويق. لكن الحل ليس أن يتحول الباحث إلى مؤثر فارغ، ولا أن يصبح الكاتب عدواً لكل أشكال المحتوى الجديد، ولا أن نطالب الناس بالعودة إلى زمن لم يكن بالضرورة أفضل؛ التحدي الحقيقي هو أن نتعلم كيف نجعل المعرفة قابلة للوصول من دون أن نفرغها من معناها، وكيف نبسط الفكرة من دون أن نحولها إلى كذبة، وكيف ننافس على الانتباه من دون أن نجعل الانتباه معيار الحقيقة.
وربما لهذا السبب بقيت عبارة “تافه، يُستفاد منه” حية في الذاكرة السياسية السورية بعد أكثر من نصف قرن، ليس لأنها تصف رجلاً بعينه، بل لأنها تطرح سؤالاً يتجاوز الرجل والمرحلة والنظام: ما الذي يجعل إنساناً ما “مفيداً” للسلطة أو المؤسسة؟ وكم مرة تغيرت الأسماء والأحزاب والأنظمة، بينما بقي معيار “يُستفاد منه” أقوى من معيار “يستحق أن يكون هنا”؟ إن سقوط نظام سياسي لا يعني بالضرورة سقوط آليات الاختيار التي صنعها، فتغيير النخبة أسهل بكثير من تغيير القواعد التي تنتج النخب، واستبدال الأشخاص أسرع من استبدال الثقافة التي تحدد من يصعد ومن يبقى في الأسفل؛ ولهذا قد تسقط مؤسسة كاملة بينما تستمر طرائقها في التفكير داخل المؤسسات التي تأتي بعدها، وقد يتغير الخطاب جذرياً فيما تبقى قواعد الاختيار والمكافأة أقرب إلى الماضي مما نحب أن نعترف به.
وهنا نعود إلى الجملة التي بدأنا بها، ولكن بصيغة مختلفة. فإذا كانت التفاهة قد تحولت فعلاً من صفة فردية إلى نظام للمكافأة والترقية والشهرة والتأثير، فإن مطالبة الناس بأن “يتوقفوا عن جعل المغفلين مشاهير” لا تكفي، لأن المغفل الذي يظهر أمامنا ليس سوى الحلقة الأكثر وضوحاً في سلسلة أطول بكثير، تبدأ من المؤسسة التي تختار، والمنصة التي تكافئ، والسوق التي تمول، والسلطة التي تبحث عمن “يُستفاد منه”، والجمهور الذي يمنح انتباهه، وتنتهي بمجتمع يبدأ شيئاً فشيئاً في الخلط بين الظهور والقيمة. ولذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي كيف نمنع التافه من الوصول إلى القمة، بل كيف نبني مؤسسات ومجالاً عاماً وقواعد للمكافأة تجعل صاحب القيمة قادراً على الوصول إليها أصلاً؟
المراجع
[1] Alain Deneault, La Médiocratie, Lux Éditeur, Montréal, 2015، 224 صفحة، ISBN 9782895961956. والترجمة العربية: آلان دونو، “نظام التفاهة”، ترجمة مشاعل عبد العزيز الهاجري، دار سؤال للنشر والتوزيع، بيروت. صفحة Lux الرسمية تثبت صدور الأصل عام 2015، بينما تتباين الفهارس في تأريخ الطبعة العربية بين 2019 و2020؛ لذلك أفضل عدم إثبات سنة محددة للطبعة العربية إلا من صفحة الحقوق في النسخة المستخدمة.
النسخة الفرنسية – Lux Éditeur
[2] جان عزيز، “تافه… يُستفاد منه”، جريدة “الأخبار”، العدد 1607، 12 كانون الثاني 2012. الحكاية مستخدمة في المقال باعتبارها رواية صحفية متداولة في التاريخ السياسي السوري، لا وثيقة أرشيفية مثبتة بكل تفاصيلها.
[3] Andrea Carboni, “Non-party ministers and technocrats in post-revolutionary Tunisia”, The Journal of North African Studies, Vol. 28, No. 1, 2023, pp. 151–178. Published online 2 February 2022. DOI: 10.1080/13629387.2022.2034502.
الدراسة لدى Taylor & Francis
[4] Maxi Heitmayer, “The Second Wave of Attention Economics: Attention as a Universal Symbolic Currency on Social Media and Beyond”, Interacting with Computers, Vol. 37, No. 1, January 2025, pp. 18–29. DOI: 10.1093/iwc/iwae035.
الدراسة لدى Oxford Academic
[5] Maud Reveilhac, “Mapping Government Use of Social Media Influencers for Policy Promotion”, Media and Communication, Vol. 13, 2025, Article 10371. DOI: 10.17645/mac.10371.
النص الكامل – Media and Communication
[6] Raphaël Zumofen, Vincent Mabillard & Martial Pasquier, “Managing the Use of Social-Media Influencers in Public-Sector Communication”, Public Management Review, published online 15 September 2025. DOI: 10.1080/14719037.2025.2559854.
الدراسة لدى Taylor & Francis
[7] Taylor Annabell, Catalina Goanta, Thijs Kelder & Felix Pflücke, “Sponsored by the State: The Private Regulation of Government Influencers”, Journal of Consumer Policy, Vol. 48, No. 4, 2025, pp. 489–521. DOI: 10.1007/s10603-025-09598-x.
الدراسة لدى Springer Nature



