تاريخ

حين غنّى العرب ذاكرتهم… ثم صمتوا

من "الوطن الأكبر" إلى "الضمير العربي": كيف حملت الأغنية السياسية سردية العرب المعاصرة، ثم فقدت لغتها الجامعة؟

لا أذكر على وجه الدقة متى شاهدت “الحلم العربي” للمرة الأولى، لكنني أذكر جيداً الأثر الذي تركه في ذهني. كنت طفلاً في الابتدائية وقتها، ولم أكن قد قرأت بعد كتب التاريخ الحديث، ولا عرفت شيئاً ذا شأن عن النكبة والنكسة وحروب العرب واتفاقيات السلام وتعقيدات القضية الفلسطينية. ومع ذلك، كانت أمامي على شاشة التلفزيون سردية بصرية كاملة تقريباً: وجوه وأعلام وحشود، حروب وهزائم، شهداء ومدن، فلسطين ولبنان وغيرها من جغرافيا الألم العربي، تتلاحق في مونتاج سريع على إيقاع أغنية تتحدث بصيغة “نحن”، وتفترض أن لهذا التاريخ بداية ومساراً وحلماً لم ينته بعد.

ربما كانت تلك المشاهد من أولى المواد “الوثائقية”، بالمعنى الواسع للكلمة، التي شاهدتها عن التاريخ العربي المعاصر. لم أكن أملك يومها الأدوات التي تسمح لي بالتمييز بين الوثيقة والدعاية، أو بين التاريخ كما وقع والتاريخ كما أراد صانعو العمل أن يرووه، لكن ذلك لم يكن مهماً بالنسبة لطفل يشاهد للمرة الأولى عشرات السنوات من التاريخ مضغوطة في دقائق. الأهم أن الأسئلة بدأت من هناك: لماذا فلسطين؟ لماذا خسر العرب؟ ما معنى أن تكون هناك قضية عربية؟ ما الذي يجعل إنساناً في دمشق أو القاهرة أو الرباط معنياً بما يحدث في القدس أو بيروت؟ وكيف يمكن لأناس لم يلتقوا قط أن يشعروا بأن لهم تاريخاً واحداً؟

بعض هذه الأسئلة بقي معي سنوات طويلة، وبعض القضايا التي تعرفت إليها في تلك السن تحولت لاحقاً إلى اهتمامات ومواقف وموضوعات للقراءة والبحث. ولهذا يصعب عليّ، حتى اليوم، النظر إلى “الحلم العربي” بوصفه أغنية فحسب. كان، بالنسبة إليّ وإلى كثيرين من أبناء جيلي، مدخلاً مبكراً إلى التاريخ والسياسة، وربما مثالاً شديد الوضوح على قدرة الفن على إنتاج ما يمكن تسميته “الوعي المكبّر”: أن يرى الطفل عالماً أكبر كثيراً من بيته ومدرسته ومدينته، وأن يشعر بأن ثمة قضايا تسبقه في العمر وتتجاوزه في الجغرافيا، لكنه مع ذلك طرف فيها.

هذه القدرة لم تبدأ مع “الحلم العربي”. فقد سبقه نصف قرن تقريباً كانت فيه الأغنية واحدة من أهم الوسائل التي روى بها العرب لأنفسهم قصتهم السياسية. الجديد في “الحلم العربي” أنه جاء متأخراً، في لحظة كان فيها المشروع الذي يتغنى به قد بدأ يفقد شروط وجوده، فبدا العمل كأنه يحاول جمع ذاكرة تتناثر أكثر مما يحاول الإعلان عن مستقبل يتشكل.

عندما كانت الأغنية جزءاً من المشروع

في الخمسينات والستينات لم تكن الأغنية السياسية العربية نشاطاً موازياً للسياسة، بل كانت جزءاً من بنيتها الإعلامية والثقافية. الإذاعة، وخصوصاً في عصر “صوت العرب”، جعلت الصوت يعبر الحدود في زمن لم تكن فيه الفضائيات ولا الإنترنت قد وُجدت، وكانت الأغنية قادرة على أن تصل في اللحظة نفسها تقريباً إلى القاهرة ودمشق وبغداد والدار البيضاء. وقد تناولت دراسات أكاديمية العلاقة الوثيقة بين الإذاعة والأغنية وصناعة سردية القومية العربية في عهد جمال عبد الناصر، حيث كانت الأغنية إحدى الوسائل التي صاغت بها الدولة ومثقفوها صورة “الأمة” وموقعها من الاستعمار والصراع الدولي.

كان “الوطن الأكبر” عام 1960 التعبير الفني الأكثر اكتمالاً عن تلك اللحظة. اجتمع عبد الحليم حافظ وصباح وشادية ووردة الجزائرية ونجاة الصغيرة وفايدة كامل في عمل كتبه أحمد شفيق كامل ولحنه محمد عبد الوهاب، في وقت كانت فيه الوحدة المصرية السورية لا تزال قائمة، وكانت فكرة الوحدة العربية مشروعاً سياسياً مطروحاً على الأرض، لا استعارة ثقافية أو حنيناً إلى ماضٍ لم يوجد.

لم يكن مهماً أن تكون تلك الصورة مثالية أو أن يكون الواقع أقل انسجاماً منها. المهم أن الأغنية امتلكت ثلاثة عناصر في وقت واحد: “نحن” واضحة، وخصماً واضحاً، ومستقبلاً يُقدَّم بوصفه ممكناً. ولذلك كانت أغنيات عبد الحليم الوطنية، وأعمال محمد عبد الوهاب، وأغنيات فيروز والأخوين رحباني لفلسطين والقدس، أكثر من أغانٍ ناجحة. كانت أجزاءً من قاموس سياسي شعبي، يعرف المستمع من خلاله أسماء الأماكن والأحداث، ويتعلم، من حيث لا يدري، كيف يرتبها داخل سردية أكبر.

ثم جاءت هزيمة حزيران 1967، وكان يمكن لها أن تنهي هذا النوع من الغناء لو كانت الأغنية مجرد دعاية للنصر. لكنها فعلت العكس. تغيرت نبرة الأغنية ولم تختف. ظهرت “عدى النهار” لعبد الحليم حافظ، من كلمات عبد الرحمن الأبنودي وألحان بليغ حمدي، كواحدة من أولى الأغنيات التي تعاملت مع الهزيمة لا بإنكارها، بل بتحويلها إلى جرح ينتظر صباحاً آخر. وفي العام نفسه جاءت “زهرة المدائن” لفيروز والأخوين رحباني، حاملة القدس من الخبر السياسي إلى الوجدان العربي.

كانت تلك لحظة شديدة الدلالة: الهزيمة لم تُسقط الذاكرة ولم تنه المشروع في المخيلة العامة. على العكس، أعادت الأغنية صياغته. لم تعد تقول فقط إننا سننتصر، بل أصبحت قادرة على القول إننا هُزمنا، وإن الهزيمة نفسها جزء من القصة.

وعندما جاءت حرب تشرين/أكتوبر 1973، عادت الأغنية مرة أخرى إلى الاحتفال واستعادة الكرامة. ظهرت أعمال مثل “عاش اللي قال” لعبد الحليم حافظ و”وأنا على الربابة بغني” لوردة، إلى جانب عشرات الأغنيات التي تحولت إلى جزء من الذاكرة المصرية والعربية للحرب. وما يهم هنا ليس تقييم الحرب ولا نتائجها السياسية، بل ملاحظة الوظيفة المستمرة للأغنية: كان كل تحول كبير في التاريخ العربي يجد صوته، وكانت الموسيقى تساعد المجتمع على تفسير ما حدث له، سواء كان انتصاراً أو هزيمة.

عندما بدأت فلسطين تغني نفسها

في السبعينات حدث تحول آخر. لم تعد فلسطين موضوعاً يغني له العرب فقط، بل أصبحت الثورة الفلسطينية تنتج صوتها الخاص. ظهرت فرق ومغنون وشعراء حملوا تجربة المخيم واللجوء والمقاومة مباشرة إلى الأغنية. وفي عام 1977 ظهرت فرقة “العاشقين” في دمشق من رحم عمل مسرحي كتبه سميح القاسم وأخرجه فواز الساجر، قبل أن تتحول إلى واحدة من أشهر الظواهر الغنائية الفلسطينية.

هذه المرحلة مهمة لأن الأغنية لم تعد مجرد تعبير تضامني عن فلسطين، وإنما جزءاً من الممارسة السياسية والثقافية الفلسطينية نفسها. دراسات تاريخ الأغنية الفلسطينية ترصد انتقال مركز الإنتاج من الأغنية العربية عن فلسطين في الخمسينات والستينات إلى أصوات فلسطينية وفرق مقاومة منذ أواخر الستينات والسبعينات، بما يعكس تغير موقع الفلسطيني من موضوع للسرد إلى منتج لسرده الخاص.

ومن هنا يمكن فهم لماذا بقيت فلسطين طوال عقود قادرة على إعادة تنشيط الأغنية السياسية العربية كلما خبت. فحتى عندما تراجع المشروع القومي، بقيت القضية الفلسطينية آخر مساحة تقريباً يستطيع فيها الفنان المصري أو السوري أو اللبناني أو الخليجي أو المغربي أن يتحدث إلى جمهور عربي كامل من دون أن يضطر إلى شرح لماذا يعنيه الأمر.

“الحلم العربي”: صدمة كهربائية لجسد متعب

لهذا يبدو “الحلم العربي” مختلفاً عندما نضعه في سياقه الحقيقي. ظهر العمل أولاً في 1996، ثم قُدمت نسخته الأشهر والمحدثة في ساحة الشهداء في بيروت عام 1998، بمشاركة فنانين من معظم البلدان العربية. لكن تلك لم تكن لحظة صعود للعروبة، وإنما واحدة من أكثر مراحلها التباساً.

كان الاتحاد السوفياتي قد انهار، والحرب الباردة انتهت، ومعها فقدت المنطقة جزءاً كبيراً من الخرائط الأيديولوجية التي حكمتها منذ الخمسينات. سبقت ذلك حرب الخليج الثانية التي كشفت عمق الانقسام العربي، ثم جاء مؤتمر مدريد، واتفاق أوسلو، ومعاهدة وادي عربة، لينتقل الصراع العربي الإسرائيلي في الخطاب الرسمي تدريجياً من لغة التحرير والمواجهة إلى لغة “عملية السلام” والتفاوض المنفرد. أما القومية العربية نفسها، فلم تعد مشروع دولة صاعداً، بل ذاكرة سياسية متنازعاً عليها.

في هذا الفراغ جاء “الحلم العربي”.

لهذا أراه اليوم أشبه بصدمة كهربائية لإنقاذ مريض يتوقف قلبه. لم يكن الأوبريت بشيراً بعصر عربي جديد بقدر ما كان محاولة لإقناع العرب بأن شيئاً من “النحن” القديمة ما زال موجوداً. حتى الصحافة العربية في وقتها قرأت العمل بهذه الطريقة تقريباً؛ فبعض الكتاب احتفوا به كتعبير عن توق شعبي للوحدة، بينما رأى آخرون فيه مناحة جماعية أو حلماً يعكس حجم العجز أكثر مما يعكس إمكانية الفعل. وفي ساحة الشهداء نفسها احتشد مئات الآلاف من جنسيات عربية متعددة، في مشهد يكاد يكون أكثر أهمية من العمل الغنائي ذاته: جمهور ضخم يبحث، ولو لساعات، عن صوت واحد في زمن بدأ يفقد فيه هذا الصوت.

والعنصر الذي جعل العمل مؤثراً بالنسبة إلى جيلي لم يكن اللحن والكلمات وحدهما، بل الصورة أيضاً. ففي النسخة المصورة، لم يكن الفنان يظهر منفرداً أمام الكاميرا ثم يختفي؛ كانت هناك مادة أرشيفية تعيد ترتيب عقود من التاريخ العربي داخل سردية متصلة. حتى بعض النقد المعاصر للعمل أشار إلى شريط الصور الذي مرّ على نحو نصف قرن من النكبات والحروب والمآسي العربية.

هنا تكمن قيمته التي تتجاوز مستواه الموسيقي. لقد كان ألبوم صور للذاكرة العربية، لكن الصور كانت تتحرك، والماضي كان يُروى على لحن يمكن لطفل أن يحفظه.

وقد لفت الباحث جوزيف مسعد، في دراسته عن فلسطين في الأغنية العربية،(1) إلى معنى قريب من ذلك حين قرأ “الحلم العربي” في سياق ما بعد حرب الخليج ومسار أوسلو وتراجع المشروع القومي العربي. لم يكن العمل، في هذه القراءة، تعبيراً عن لحظة صعود بقدر ما كان استدعاءً متأخراً للغة الأغنية القومية التي ازدهرت في الخمسينات والستينات، ومحاولة لإعادة وصل ذاكرة جماعية بدأت تتفكك. كما توقف مسعد عند المادة البصرية المصاحبة للعمل، وما حملته من استعراض متتابع لعقود من الحروب والهزائم والقضايا العربية، وهو ما يعزز قراءة الأوبريت لا بوصفه أغنية وحدها، بل بوصفه أرشيفاً عاطفياً وسياسياً لمرحلة كاملة.

الانتفاضة الثانية: آخر انفجار كبير للأغنية الجامعة

بعد عامين فقط، اندلعت انتفاضة الأقصى، فعادت الآلة الغنائية العربية بكامل قوتها تقريباً. لم تكن الاستجابة مقتصرة على فنانين اعتاد الجمهور منهم الأغنية السياسية، بل شارك فيها طيف واسع من نجوم الصف الأول. أنتج مدحت العدل عام 2000 أوبريت “القدس حترجع لنا”، بعد استشهاد محمد الدرة، وشارك فيه أكثر من ثلاثين فناناً وممثلاً مصرياً، من أجيال ومدارس مختلفة، في عمل كان مباشراً إلى حد لا يكاد يترك مساحة للتأويل.

لكن الأهم بالنسبة إلى فكرتنا هو أن الظاهرة لم تكن مصرية فقط. فمحمد عبده، الذي يصعب وضعه أصلاً داخل تقاليد الأغنية السياسية المباشرة، غنى “ما هنت يا أمي” للانتفاضة، من كلمات الأمير تركي بن طلال وألحان جمال سلامة، وصُورت الأغنية في رام الله عام 2001، وجرى تكريمها في مهرجان عربي للأغنية المصورة.

وهذه مشاركة ذات دلالة خاصة. فالانتفاضة استطاعت لفترة قصيرة أن تعيد تكوين الإجماع العاطفي الذي كان يتراجع منذ سنوات، وأن تجعل القضية الفلسطينية مرة أخرى لغة مشتركة من الخليج إلى المغرب. ظهر في تلك الفترة عدد كبير من الأغنيات الفردية عن القدس والشهداء والانتفاضة، وعادت الفضائيات إلى بث “الحلم العربي” نفسه بكثافة. كأن الحدث أعاد توصيل الأسلاك بجسد ظن كثيرون أن الكهرباء غادرته.

لكنها كانت ذروة أخيرة أكثر مما كانت بداية جديدة.

بغداد: من أغنية التعبئة إلى أغنية العجز

بعد ثلاث سنوات جاءت حرب العراق واحتلال بغداد. مرة أخرى تحرك الفنانون العرب سريعاً، وظهر أوبريت “بغداد لا تتألمي” في ربيع 2003 بمبادرة من كاظم الساهر، وكلمات فاروق جويدة، وبمشاركة أصوات عربية من مصر وسوريا وتونس والأردن وليبيا وغيرها.

لكن شيئاً ما كان قد تغير في النبرة.

أغاني الخمسينات والستينات كانت تقول إن التاريخ يمكن صنعه. أغنيات ما بعد 1967 كانت تقول إن الهزيمة يمكن تجاوزها. أما أغنية بغداد فقد بدت، في جانب كبير منها، محاولة لمواساة مدينة يدخلها الاحتلال أمام شاشات العالم. لم يعد الفنان يعبئ جيشاً أو يحتفل باسترداد أرض، بل يرفع صوته أمام حدث يعرف أنه غير قادر على تغييره.

هنا بدأت الأغنية السياسية العربية تتحول تدريجياً من شريك رمزي في الفعل إلى شاهد على العجز.

“الضمير العربي”: المرثية التي حفظت كل شيء

في عام 2008، وفي الذكرى الستين للنكبة، ظهر “الضمير العربي”. دعا منتجه أحمد العريان يومها إلى بثه بصورة متزامنة على المحطات العربية، في محاولة لصناعة رسالة إعلامية موحدة في مواجهة الاحتفال الإسرائيلي بمرور ستين عاماً على قيام الدولة.

لكن المسافة بين “الحلم العربي” و”الضمير العربي” أكبر بكثير من السنوات العشر التي تفصل بينهما.

في الأول، لا يزال هناك حلم، ولو بدا بعيداً. وفي الثاني، أصبح السؤال أخلاقياً تقريباً: ماذا بقي من الضمير؟ الأول يحاول إنعاش فكرة الوحدة، والثاني يوثق نتائج غيابها. الأول يقول إن الليل قد يبعدنا لكنه سينتهي، أما الثاني فينظر إلى سلسلة من فلسطين والعراق ولبنان والانقسام والدمار، ويطلب من المشاهد أن يتذكر على الأقل أن هذه القضايا كانت يوماً قضيته.

لهذا يمكن النظر إلى العملين معاً بوصفهما كتاباً ذا جزأين. “الحلم العربي” هو محاولة الإنقاذ، و”الضمير العربي” هو تقرير الحالة بعد عشر سنوات.

والقيمة الكبرى للعملين، في رأيي، ليست في الكلمات وحدها ولا في عدد الفنانين المشاركين فيهما، وإنما في بنيتهما السمعية البصرية. لقد حملا داخل دقائق قليلة أرشيفاً عربياً كاملاً: صوراً متعاقبة للحروب والهزائم والانتفاضات والاحتلال والموت، وأعادا تركيبها في قصة تقول للمشاهد إن ما يراه ليس أحداثاً منفصلة، بل فصول من تاريخ واحد. هنا يلتقي الفن بالذاكرة. وهنا نفهم لماذا كان بمقدور طفل أن يشاهد الأوبريت ثم يخرج منه بأسئلة سياسية لم تكن تخطر له قبل ساعة.

لقد كانا أرشيفين يغنيان.

ما بعد 2011: لم تختف الأغنية السياسية، بل تفتتت “النحن”

من السهل القول إن الأغنية السياسية ماتت بعد “الضمير العربي”، لكن ذلك ليس دقيقاً تماماً. بعد 2011 انفجرت الأغنية السياسية من جديد، غير أنها انفجرت في اتجاه مختلف. تونس غنت لتونس، ومصر لمصر، وسوريا لسوريا، واليمن لليمن، ثم أنتجت الحروب والانقسامات داخل كل بلد أغانٍ متعارضة أحياناً داخل الوطنية الواحدة نفسها. بكلمات أخرى، لم يمت الغناء السياسي، وإنما تفتت المجال السياسي الذي كان يسمح بوجود أغنية عربية جامعة.

وهنا يصبح أوبريت “بكرا” عام 2011 شديد الدلالة. العمل جمع أربعة وعشرين فناناً من ستة عشر بلداً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأنتجه كوينسي جونز وبدر جعفر، بوصفه مشروعاً خيرياً ذا رسالة اجتماعية وإنسانية، تتمحور حول الأمل والسلام ومستقبل أفضل للأطفال.

ليس في ذلك ما يُدان فنياً أو أخلاقياً؛ فالسلام والأمل والطفولة قيم جديرة بالغناء. لكن المقارنة مع “الوطن الأكبر” أو “الحلم العربي” أو “القدس حترجع لنا” تكشف انتقالاً عميقاً في اللغة السياسية للفن العربي الجماعي. اختفت تقريباً مفردات التحرير والوحدة والاستعمار والعدو والأرض، وحل محلها قاموس كوني أكثر نعومة: السلام، الأمل، الأطفال، الخير، المستقبل، تغيير العالم. لم يعد الفنان العربي يغني باسم أمة تواجه تاريخاً محدداً، بل باسم إنسان يريد عالماً أفضل.

وقد يكون هذا التحول تعبيراً عن نضج في مكان ما، لكنه في مكان آخر يكشف فقدان سردية. ففي الأعمال القديمة كان المستقبل امتداداً لماضٍ معروف: هناك أرض ضاعت، وهزيمة يجب تجاوزها، ووحدة ينبغي استعادتها. أما في الخطاب الجديد، فيمكن للمستقبل أن يبدأ من الصفر تقريباً. الذاكرة ليست شرطاً له.

وهذا، ربما، هو التحول الأعمق: من “العربي” بوصفه ذاتاً سياسية إلى “الإنسان العربي” بوصفه فرداً داخل خطاب إنساني عالمي، ومن القضية العابرة للحدود إلى الوطنية المحلية، ومن وسائل إعلام كانت تخاطب جمهوراً عربياً واسعاً في الوقت نفسه إلى منصات رقمية تقسم الجمهور إلى جماعات ودوائر وخوارزميات واهتمامات متفرقة.

في أمريكا اللاتينية أو جنوب أفريقيا مثلاً، لم يؤد تراجع المشاريع الثورية القديمة بالضرورة إلى اختفاء الأغنية السياسية؛ أعادت الأغنية تعريف موضوعاتها وانتقلت من الثورة الكبرى إلى حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية ونقد السلطة الجديدة. أما في العالم العربي، فقد تزامن أفول المشروع الجامع مع تفكك الفضاء الذي كان ينتج أغنيته، فبقيت الأغنية الاحتجاجية والمحلية، بينما تراجع كثيراً ذلك الصوت الذي يدّعي تمثيل “العرب” بوصفهم جماعة سياسية واحدة.

وما الذي تقوله عودة “الحلم العربي”؟

المفارقة أن أحداث غزة أعادت “الحلم العربي” إلى الواجهة بعد أكثر من ربع قرن. وفي فبراير/شباط 2024 أعيد تقديم العمل بنسخة جديدة شارك فيها عدد من الفنانين العرب، بعضهم من المشاركين في النسخة الأصلية، فيما قيل إن أحداث غزة كانت من دوافع استدعائه من جديد.

يمكن أن نقرأ ذلك كدليل على أن القضية لم تمت. لكن يمكن قراءته أيضاً بطريقة أكثر قسوة: عندما احتاج العرب، بعد ربع قرن، إلى عمل فني جامع في مواجهة واحدة من أكبر الأزمات الفلسطينية، عادوا إلى أغنية قديمة بدلاً من إنتاج قاموس فني جديد.

ربما يكون ذلك أفضل برهان على قوة “الحلم العربي”، لكنه في الوقت نفسه أفضل برهان على الفراغ الذي جاء بعده.

اليوم، بعد سنوات من القراءة والبحث والاشتباك الفكري مع التاريخ والسياسة، أعود أحياناً إلى ذلك الطفل الذي جلس أمام التلفزيون يتابع صوراً لم يكن يعرف أسماء كثير من أصحابها ولا تواريخها. لم تعلمني تلك الأوبريتات التاريخ بالمعنى الأكاديمي، ولم يكن مطلوباً منها أن تفعل. لقد فعلت شيئاً أبسط وأعمق: جعلتني أعرف أن هناك تاريخاً ينبغي أن أسأل عنه.

وربما لهذا يؤلمني غياب هذا النوع من الأعمال أكثر مما تبرره قيمته الموسيقية وحدها. القضية ليست أن أوبريتات التسعينات والألفينات كانت فناً أرقى من كل ما جاء بعدها، ولا أن علينا استعادة خطابها كما هو. كثير من ذلك الخطاب كان رومانسياً ومبالغاً ومشحوناً بالشعارات، وبعضه يحتاج اليوم إلى مراجعة نقدية شديدة. لكن المراجعة شيء، ومحو الذاكرة شيء آخر.

الطفل الذي يشاهد عملاً من هذا النوع لا يخرج منه مؤرخاً ولا سياسياً، لكنه قد يخرج بسؤال. والسؤال، أحياناً، هو بداية الوعي كله.

بين الطفل الذي شاهد ذات يوم سردية عربية كاملة تُروى له بالغناء، والكاتب الذي يكتب اليوم عن غياب تلك السردية، قوس واحد فقط: الذاكرة. تغيرت أشياء كثيرة في المنتصف: سقطت مشاريع، انهارت دول، تبدلت تحالفات، صعدت وطنيات جديدة، وانكمشت أحلام قديمة. لكن الفن الذي يحمل ذاكرة، حتى حين يكون منحازاً أو ناقصاً، يبقى أكثر قدرة على تكوين الوعي من فن يطلب منا أن نتطلع إلى المستقبل وكأن الماضي لم يحدث.

لم تكن تلك الأوبريتات قادرة على تغيير الواقع، لكنها كانت قادرة على شيء لا يقل أهمية: أن تجعلنا نعرف أن لنا تاريخاً، وأن هذا التاريخ يستحق أن يُروى، لا أن يُمحى.

وحين انتهى الغناء للتاريخ، لم يبدأ الغناء للمستقبل بالضرورة.

في أحيان كثيرة، بدأ الغناء من دون ذاكرة.

المصدر
Joseph A. Massad, “Liberating Songs: Palestine Put to Music,” Journal of Palestine Studies, Vol. 32, No. 3, 2003.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى